ابن خلدون

381

رحلة ابن خلدون

الهدايا الثلاث إلى باب الملك الظّاهر في آخر السّنة ، وعرضت بين يدي السّلطان ، وانتهب الخاسكية ما كان فيها من الأقمشة والسّيوف والبسط ومراكب الخيل ، وحمل كثيرا منهم على كثير من تلك الجياد وارتبط الباقيات . وكانت هدية صاحب المغرب تشتمل على خمسة وثلاثين من عتاق الخيل بالسروج والّلجم الذهبية ، والسيوف المحلّاة ، وخمسة وثلاثين حملا من أقمشة الحرير والكتّان والصوف والجلد ، منتقاة من أحسن هذه الأصناف . وهدية صاحب تلمسان تشتمل على ثلاثين من الجياد بمراكبها المموّهة ، وأحمالا من الأقمشة . وهدية صاحب تونس تشتمل على ثلاثين من الجياد مغشّاة ببراقع الثياب من غير مراكب ، وكلها أنيق في صنعه مستطرف في نوعه ، « 1710 » وجلس السّلطان يوم عرضها جلوسا فخما في إيوانه ، وحضر الرّسل ، وأدّوا ما يجب عن ملوكهم . وعاملهم السّلطان بالبرّ والقبول ، وانصرفوا إلى منازلهم للجرايات الواسعة ، والأحوال الضّخمة . ثم حضر وقت خروج الحاجّ ، فاستأذنوا في الحجّ مع محمل السّلطان ، فأذن لهم ، وأرغد أزودتهم . وقضوا حجّهم ، ورجعوا إلى حضرة السّلطان ومعهود مبرّته . ثم انصرفوا إلى مواطنهم ، وشيّعهم من برّ السّلطان وإحسانه ، ما ملأ حقائبهم ، وأسنى ذخيرتهم ، وحصل لي أنا من بين ذلك في الفخر ذكر جميل بما تناولت بين هؤلاء الملوك من السّعي في الوصلة الباقية على الأبد ، فحمدت الله على ذلك . ولاية القضاء الثانية بمصر ما زلت ، منذ العزل عن القضاء الأوّل سنة سبع وثمانين ، مكبّا على الاشتغال بالعلم ، تأليفا وتدريسا ، والسّلطان يولّي في الوظيفة من يراه أهلا متى دعاه إلى ذلك داع ، من موت القائم بالوظيفة ، أو عزله ، وكان يراني الأولى بذلك ، لولا وجود الذين

--> ( 1710 ) في « عقد الجمان للعيني » ( في حوادث سنة 800 لوحة 29 ، 30 نسخة دار الكتب ) ، ذكر لهذه الهدية بصورة تختلف عما يرويه ابن خلدون هنا . وانظر « الجوهر الثمين » لابن « قماق في حوادث سنة 800 أيضا .